محمد سعيد رمضان البوطي
69
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
ثم لما أربى الذين دخلوا في الإسلام على الثلاثين - ما بين رجل وامرأة - اختار لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم دار أحدهم ، وهو الأرقم بن أبي الأرقم ، ليلتقي بهم فيها لحاجات الإرشاد والتعليم ، وكانت حصيلة الدعوة في هذه الفترة ما يقارب أربعين رجلا وامرأة دخلوا في الإسلام ، عامتهم من الفقراء والأرقاء وممن لا شأن له بين قريش « 1 » . العبر والعظات : 1 - وجه السرّيّة في بدء دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام : لا ريب أن تكتّم النّبي صلّى اللّه عليه وسلم في دعوته إلى الإسلام ، خلال هذه السنوات الأولى ، لم يكن بسبب الخوف على نفسه ، فهو حينما كلف بالدعوة ونزل عليه قوله تعالى : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . قُمْ فَأَنْذِرْ . . علم أنه رسول اللّه إلى الناس ، وهو لذلك كان يوقن بأن الإله الذي ابتعثه وكلّفه بهذه الدعوة قادر على أن يحميه ويعصمه من الناس ، على أن اللّه عزّ وجلّ لو أمره من أول يوم أن يصدع بالدعوة بين الناس علنا ، لما توانى عن ذلك ساعة ، ولو كان يتراءى له في ذلك مصرعه . ولكن اللّه عزّ وجلّ ألهمه - والإلهام للرسول نوع من الوحي إليه - أن يبدأ الدعوة ، في فترتها الأولى ، بسرّيّة وتكتّم ، وأن لا يلقى بها إلا من يغلب على ظنه أنه سيصيخ لها ويؤمن بها ، تعليما للدّعاة من بعده ، وإرشادا لهم إلى مشروعية الأخذ بالحيطة والأسباب الظاهرة ، وما يقرره التفكير والعقل السليم من الوسائل التي ينبغي أن تتخذ من أجل الوصول إلى غايات الدعوة وأهدافها . على أن لا يتغلب كل ذلك على الاعتماد والاتّكال على اللّه وحده ، وعلى أن لا يذهب الإنسان في التمسك بهذه الأسباب مذهبا يعطيها معنى التأثير والفعالية في تصوّره وتفكيره . فهذا يخدش أصل الإيمان باللّه تعالى ، فضلا عن أنه يتنافى مع طبيعة الدعوة إلى الإسلام . ومن هنا تدرك ، أن أسلوب دعوته عليه الصلاة والسلام ، في هذه الفترة ، كان من قبيل السياسة الشرعية بوصف كونه إماما ، وليس من أعماله التبليغية عن اللّه تعالى بوصف كونه نبيّا . وبناء على ذلك فإنه يجوز لأصحاب الدعوة الإسلامية ، في كل عصر أن يستعملوا المرونة في كيفية الدعوة - من حيث التكتّم والجهر ، أو اللين والقوة - حسبما يقتضيه الظرف وحال العصر الذي يعيشون فيه ، وهي مرونة حددتها الشريعة الإسلامية ، اعتمادا على واقع سيرته صلّى اللّه عليه وسلم ، ضمن الأشكال أو المراحل الأربعة التي سبق ذكرها ، على أن يكون النظر في كل ذلك إلى مصلحة المسلمين ومصلحة الدعوة الإسلامية . ومن أجل هذا أجمع جمهور الفقهاء على أن المسلمين إذا كانوا من قلة العدد أو ضعف العدّة بحيث يغلب الظن أنهم سيقتلون من غير أي نكاية في أعدائهم ، إذا ما أجمعوا قتالهم ، فينبغي ، أن
--> ( 1 ) راجع للتوسع في هذا البحث سيرة ابن هشام : 1 / 249 - 261